أبي منصور الماتريدي

30

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

الذي ذكر وبلغ المبلغ الذي ذكر لو علم أن عاقبته كما كان ما أنفق عليه ، أو لو علم أنه لا ينتفع به ما أنفق تلك النفقة ، أي : لو علم أن سروره وابتهاجه به لا يبقى ولا يدوم إلى آخره ما تكلف ذلك ، أو لو علم أنها تزول عنه وتنقطع عن تلك السرعة ما أنفق ذلك وما تكلف الذي تكلف . ويحتمل ضرب مثل الحياة الدنيا بما ذكر من النبات وجهين : أحدهما : يخبر عن سرعة زوالها وانقطاعها كالنبات [ الذي ذكر أنه يتسارع إلى الزوال والانقطاع لما يصيبه من الآفة فعلى ذلك الدنيا . والثاني يخبر عن تغيرها وانقلاب أمرها كالنبات ] « 1 » الذي يتغير في أدنى مدة ووقت . وقوله - عزّ وجل - : حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ قيل : حسنها ، وازينت وحسنت فأنبتت من ألوان النبات . وقال أبو عوسجة : زخرفها : زينتها من النبت ، و حَصِيداً أي : محصودا كما يحصد الحصاد ، والحصاد : الزرع ، كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ أي : لم تعش ، [ والمغاني هي ] « 2 » المواضع التي يعيش فيها الناس ، قال : وواحد المغاني مغنى . وقال القتبي « 3 » : وأصل الزخرف الذهب ؛ يقال للنقش والذهبة وكل شيء زين : زخرف ، وقال : كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ والمغاني : المنازل واحدها مغنى . وقال بعضهم : كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ أي : لم تنغم . وقيل : لم تعمر . وقال بعضهم : هو من الغنى ، أي : كأن لم تكن غنيا بالأمس ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أي : ظن أهل الدنيا فيما ينفقون أنهم قادرون على تلك النفقة ، كما ظن صاحب الزرع أنه قادر على ذلك الزرع . وقوله : أَتاها أَمْرُنا قيل : عذابنا سمي أمرا ؛ لأنه بأمره أتاه ، وفيه أنه لم يأته عن غفلة وسهو ، ولكن عن علم وأمر ؛ عظة لهم وتنبيها ؛ ألا ترى أنه قال : كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ كأن الآيات في هذا الموضع المواعظ ، أي : فيما ذكر من ضرب مثل الحياة الدنيا بالنبات والزرع الذي ذكر عظة وتنبيه لمن تفكر فيه ، والله أعلم .

--> ( 1 ) ما بين المعقوفين سقط في أ . ( 2 ) في أ : والثاني هو . ( 3 ) ينظر : تفسير غريب القرآن ( 195 ) .